حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

391

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [ التوبة : 28 ] والمراد - واللّه أعلم - منعهم من الحج وحضور مواضع النسك ، ويحتمل أن يكون المراد جعلنا البيت سبب الأمن ، وعلى هذا يكون البيت نفس الكعبة ، وعلى الأول يكون معنى أَمْناً موضع أمن كقوله حَرَماً آمِناً [ القصص : 57 ] والمثابة المباءة والمرجع قيل : إن مثابا ومثابة لغتان مثل مقام ومقامة . وقيل : التاء للمبالغة كعلامة . عن الحسن : أي يثوبون إليه في كل عام . وعن ابن عباس ومجاهد : لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه وذلك لدعاء إبراهيم عليه السلام فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [ إبراهيم : 37 ] وقيل : مثابة أي يحجون فيثابون عليه . وكون البيت مثابة إنما يكون بجعل اللّه تعالى بناء على أن فعل العبد مخلوق للّه ، أو بأن اللّه تعالى ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعيا لهم إلى العود إليه مرة بعد أخرى وذلك لمنافع دينية ودنيوية ، قال صلى اللّه عليه وسلم « من حج للّه فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه » « 1 » وقال : « العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة » « 2 » ثم إن قطان الخافقين يجتمعون هناك للتجارات وضروب المكاسب فيعظم فيه النفع لمن أراد ولا شك أن قوله وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [ البقرة : 125 ] خبر فتارة تتركه على ظاهره وتقول إنه خبر بأن يكون حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ [ القصص : 57 ] لا أن يكون إخبارا عن عدم وقوع القتل فيه أصلا ، فإن الموجود بخلافه فقد يقع القتل الحرام وكذا المباح قال تعالى وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [ البقرة : 191 ] وتارة تصرفه عن ظاهره وتقول . إنه أمر بأن يجعلوا ذلك الموضع أمنا من الغارة والقتل قال صلى اللّه عليه وسلم « إن اللّه حرم مكة وإنها لم تحل لأحد قبلي وإنما أحلت لي ساعة من نهار » « 3 » وقد عادت حرمتها كما كانت ، فذهب الشافعي إلى أن المعنى أنها لم تحل لأحد أن ينصب الحرب عليها وأن ذلك أحل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأما من دخل البيت من الذين وجبت عليهم الحدود فقال الشافعي : إن الإمام يأمر بالضيق عليه

--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب الحج باب 4 . مسلم في كتاب الحج حديث 438 . الترمذي في كتاب الحج باب 2 . النسائي في كتاب الحج باب 4 . ابن ماجة في كتاب المناسك باب 3 . الدارمي في كتاب المناسك باب 7 . ( 2 ) رواه البخاري في كتاب العمرة باب 1 . مسلم في كتاب الحج حديث 437 . الترمذي في كتاب الحج باب 88 . النسائي في كتاب المناسك باب 3 . ابن ماجة في كتاب المناسك باب 3 . ( 3 ) رواه الترمذي في كتاب العلم باب 37 . الترمذي في كتاب الحج باب 1 . ابن ماجة في كتاب المناسك باب 103 . أحمد في مسنده ( 1 / 253 ) .